السيد محمد حسين الطهراني
33
معرفة الإمام
والاشتغال بمواعظ الناس وتخويفهم المعاد ، وتذكيرهم الموت ، أن يكونوا ذوي رقّة ولين ، وضعف قلب ، وخَوَر طبع وهاتان حالتان متضادّتان ، وقد اجتمعتا له عليه السلام . ومنها : أنّ الغالب على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سَبُعِيّة ، وطباع حوشيّة وغرائز وحشيّة وكذلك الغالب على أهل الزهادة وأرباب الوعظ والتذكير ورفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق وعبوس في الوجوه ، ونفار من الناس واستيحاش وأمير المؤمنين عليه السلام كان أشجع الناس وأعظمهم إراقة للدم في سبيل الله ، وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذّ الدنيا ، وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بأيّام الله ومَثلاته ، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة وآداباً لنفسه في المعاملة . وكان مع ذلك ألطف العالَم أخلاقاً ، وأسفرهم وجهاً ، وأكثرهم بشراً وأوفاهم هشاشة ، وأبعدهم عن انقباض موحش ، أو خُلُق نافر ، أو تجهّم مباعد . أو غِلظة وفظاظة تنفر معهما نفس ، أو يتكدّر معهما قلب . حتى عيب « بالدّعابة » ، ولمّا لم يجدوا فيه مغمزاً ولا مطعناً تعلّقوا بها واعتمدوا في التنفير عنه عليها ( وقالوا . . . . لأنّ عليّاً يمزح فهو لا يصلح للخلافة ) . وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة . ومنها : أنّ الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل بيت السيادة والرئاسة أن يكون ذا كِبرٍ وتيهٍ وتعظّم وتغطرُس ، خصوصاً إذا أضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أخرى . وكان أمير المؤمنين عليه السلام في مُصاص الشرف ومعدنه ومعانيه ، لا يشكّ عدوّ ولا صديق أنّه أشرف خلق الله نسباً بعد ابن عمّه صلوات الله عليه . وقد حصل له هذا الشرف - غير شرف النسب - من جهات كثيرة متعدّدة ، قد ذكرنا بعضها ومع ذلك فكان أشدّ الناس تواضعاً لصغير وكبير ، وألينهم عريكة